صديق الحسيني القنوجي البخاري

306

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقد ثبت نحو هذا في الصحيحين وغيرهما من دون ذكر أن ذلك سبب نزول الآية ، وفي الباب روايات كثيرة بهذا المعنى وكثير منها مصرح بأن ذلك سبب نزول الآية إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي المجاوزين الحلال إلى الحرام . وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي تمتعوا بأنواع الرزق ، وإنما خص الأكل لأنه أغلب الانتفاع بالرزق حَلالًا طَيِّباً أي غير محرم ولا مستقذر ، أو أكلا حلالا طيبا أو كلوا حلالا طيبا ، قال ابن المبارك : الحلال ما أخذته من وجهه ، والطيب ما أغذي وأنمى ، فأما الجامد كالطين والتراب وما لا يغذي فمكروه إلا على وجه التداوي . ثم وصاهم اللّه تعالى بالتقوى فقال : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ هذا تأكيد للوصية ، وفي الآية دليل على أن اللّه عزّ وجلّ قد تكفل برزق كل أحد من عباده . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 89 ] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 89 ) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قد تقدم تفسير اللغو والخلاف فيه في سورة البقرة ، عن سعيد بن جبير قال : هو الرجل يحلف على الحلال ، وقال مجاهد : هما رجلان يتبايعان يقول أحدهما واللّه لا أبيعك ، ويقول الآخر واللّه لا أشتريه بكذا ، وعن النخعي قال : اللغو أن يصل كلامه بالحلف واللّه لتأكلن واللّه لتشربن ونحو هذا لا يريد به يمينا ولا يتعمد حلفا فهو لغو اليمين ليس عليه كفارة . قيل ( في ) بمعنى ( من ) قاله القرطبي ، والأيمان جمع يمين ، وفي الآية دليل على أن أيمان اللغو لا يؤاخذ اللّه الحالف بها ولا تجب فيها الكفارة ، وقد ذهب الجمهور من الصحابة ومن بعدهم إلى أنها قول الرجل لا واللّه وبلى واللّه ، في كلامه غير معتقد لليمين ، وبه فسر الصحابة الآية ، وهم أعرف بمعاني القرآن ، قال الشافعي وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة . وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ أي بما تعمدتم وقصدتم به اليمين ، قاله مجاهد ، وقرىء عقدتم مخففا ومشددا ، والتشديد إما للتكثير لأن المخاطب به جماعة أو بمعنى المجرد أو لتوكيد اليمين نحو واللّه الذي لا إله إلا هو ، وقرىء عاقدتم وهو بمعنى المجرد أو على بابه ، وهذا كله مبني على أن ( ما ) موصول اسمي وقيل مصدرية على القراءات الثلاث ، وعليه جرى أبو السعود . والعقد على ضربين حسي كعقد الحبل ، وحكمي كعقد البيع واليمين